عبد القاهر الجرجاني
179
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ثمّ لم ينفكّ العالمون به والذين هم من أهله ، من دخول الشبهة فيه عليهم ، ومن اعتراض السّهو والغلط لهم . روي عن الأصمعي أنّه قال " 1 " : كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ، وكان يأتيان بشارا فيسلّمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان : يا أبا معاذ ، ما أحدثت ؟ فيخبرهما وينشدهما ، ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له ، حتى يأتي وقت الزّوال ، ثم ينصرفان . وأتياه يوما فقالا : ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة ؟ قال : هي التي بلغتكم . قالوا : بلغنا أنّك أكثرت فيها من الغريب . قال : نعم ، بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب ، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف . قالوا : فأنشدناها يا أبا معاذ . فأنشدهما : [ من الخفيف ] بكّرا صاحبيّ قبل الهجير * إنّ ذاك النّجاح في التّبكير " 2 " حتى فرغ منها ، فقال له خلف : لو قلت يا أبا معاذ مكان " إنّ ذاك النجاح في التبكير " : بكّرا فالنّجاح في التّبكير كان أحسن . فقال بشار : إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت : إنّ ذاك النجاح في التبكير ، كما يقول الأعراب البدويّون ، ولو قلت : " بكّرا فالنجاح " ، كان هذا من كلام المولّدين ، ولا يشبه ذاك الكلام ، ولا يدخل في معنى القصيدة . قال : فقام خلف فقبّل بين عينيه " " 3 " ، فهل كان هذا القول من خلف والنّقد على بشّار ، إلّا للطف المعنى في ذلك وخفائه ؟ . واعلم أن من شأن " إنّ " إذا جاءت على هذا الوجه ، أن تغني غناء " الفاء " العاطفة مثلا ، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا . فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف ، ومقطوعا موصولا معا . أفلا ترى أنك لو أسقطت " إنّ " من قوله : " إنّ ذاك النجاح في التبكير " ، لم تر الكلام يلتئم ، ولرأيت الجملة الثانية لا تتّصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل ، حتى تجيء بالفاء فتقول : " بكّرا صاحبيّ قبل الهجير ، فذاك النجاح في التبكير " ، ومثله قول بعض العرب : [ من الرجز ]
--> ( 1 ) الخبر في الأغاني ( 3 / 190 ) . ( 2 ) البيت لبشار بن برد في ديوانه ( 3 / 203 ) ، والإشارات والتنبيهات للجرجاني ( 31 ) ، والأغاني ( 3 / 185 ) . والهجير : من الزوال إلى العصر أو شدة الحرارة . ( 3 ) يقصد فقبل بشار بين عينيه وهي في ( الأغاني 3 / 190 ) .